الجمعة، 26 يونيو، 2009

ليتنا شعرنا بالعار







هل يذكر أحدنا ظهر السبت 15 من مايو 2004؟ 



يقينى أننا جميعا نسينا السبت وظهره وعصره. إنه يوم « فوزنا» بالعدم والفراغ والهزيمة، إنه ذلك اليوم الذى وقف فيه جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم فى زيورخ ليعلن فوز جنوب أفريقيا بشرف تنظيم بطولة كأس العالم بعد حصدها لأربعة عشر صوتا، وليته سكت، إلا أنه واصل سرد باقى النتائج فقال: المغرب حصلت على 10 أصوات، بينما حصلت مصر على صفر. 

لم نكن ننافس أمريكا أو فرنسا أو الصين، الأمر كان مريحا، أفارقة ينافسون أفارقة وعالم ثالث ينافس عالما ثالثا ودول نامية تنافس دولا نامية، ومع ذلك حصدنا الصفر الموجع، أيامها ثرنا وأرغينا وأزبدنا وتكلمنا كثيرا عن هذه الدولة التى خانتنا وعن تلك التى «ربطنا» معها ثم تخلت عنا، ناقش البرلمان وهاج الإعلام وفتح تحقيقا سرعان ما أغلق وعدنا للنوم وكأن شيئا لم يكن. 

ماذا حدث لنا بعد «فوزنا» بالصفر؟ حدث الكثير، لقد حصدنا أصفارا جديدة، هل نسينا صفر العطش؟ هل نسينا صفر طوابير العيش؟ هل نسينا صفر القمح المسرطن؟ أصفار وراء أصفار راح تتكدس على أرصفة حياتنا، ومع فداحتها لم نشعر بعد بالعار. بعضنا لجأ إلى الحيلة القديمة السخيفة «العالم ضدنا» وبعضنا مارس الهواية القديمة السخيفة «وأنا مالى». 

جميعا لم نكن صادقين، جميعا لم نشعر بالعار الذى لو شعرنا به واكتوت قلوبنا بنيرانه، لربما كانت بشارة النهضة تدق بيدها الحانية باب الأمل، ولكن ما لنا نحن وهذا الشعور الراقى الجميل المرهف، نعم الشعور بالعار ليس عارا، إنه الجمال بعينه عندما يتحول إلى قوة دافعة للأمام كاسحة لألغام اليأس والإحباط، لقد شعرنا بالعار بعد ساعات من قاصمة الظهر صيف 1967الحزين، ولذا كان ردنا مزلزلا ظهر العاشر من رمضان، الأقوياء فقط هم الذين يشعرون بالعار ويسارعون إلى محوه. 

تذكرت الصفر وأوجعتنى الذكرى وأنا أرى مع الملايين عبر التلفاز جنوب أفريقيا، وهى تنظم بطولة كأس العالم للقارات، فى «بروفة» متقنة لما سيكون عليه الحال لحظة انطلاق البطولة الأكبر، كانت ملاعب جنوب أفريقا «خضراء» من غير سوء، تخرج لى لسانها وكأنها تقول لى: «لسه فاكر ؟ خليك مغروس فى طين قضية سوزان تميم أحسن لك».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 19 يونيو، 2009

الحلال بيّن والتطبيع بيّن



جمع القائد جنوده وسألهم: كيف ستقاتلون عدوكم؟. قالوا: بالسلاح. فسألهم: فإن لم يكن بين أيديكم سلاح؟.

أجابوا: بالسكاكين والحجارة وبصدورنا العارية وبلحمنا الحى وبأسناننا.

ابتسم القائد نصف ابتسامة وعاد يسأل جنوده: وإذا فقدتم كل سلاح حتى أسنانكم كيف ستقاتلون العدو؟.

سكت الجنود وقد سدت عليهم الحيرة كل طرق التفكير. لحظتها واجه القائد جنوده فى حسم قائلا: يوم تفقدون كل سلاح سيظل بين أفئدتكم سلاح ليس كمثله سلاح، به وحده ستربحون الحرب وإن طال زمانها وكثر ضحاياها هل تعرفون ما هو هذا السلاح؟ أجاب الجنود: لا نعرف عن أى سلاح تتحدث أيها القائد.

رد القائد قائلا: إنه سلاح المقاطعة، قاطعوا عدوكم، لا تعترفوا به أبدا، لا تجلسوا إليه، لا تقاسموه الطعام، لا تبادلوه الكلام، لا تنصتوا حتى لأغانيه، اجعلوه دائما منبوذا خائفا من انتقامكم، اجعلوا دماء أصحابكم لعنة تطوق عنقه وكابوسا يجثم على قلبه، هل اتفقنا أيها الجنود الشجعان؟

أجاب الجنود: نعم اتفقنا أيها القائد المعلم. رفع القائد سبابته فى وجوه جنوده محذرا وقال: ليعلم كل واحد منكم أنه إن خالف ما اتفقنا عليه ستحل عليه اللعنة، وساعتها سأكون مكلفا بأمر من روح أمتنا الخالدة بأن أنفذ فيه حكما قاسيا.

فى ساعة سكتتْ فيها المدافع تناول أحد جنود العدو كمانا من حقيبته وراح يعزف عليه، حمل هدوء الليل نغمات الكمان إلى المعسكر المقابل، لاحظ القائد أن أحد جنوده قد تخلى عن خوذته وبعد قليل فك أربطة حذائه العسكرى الثقيل.

تمتم القائد بينه وبين نفسه: لقد فعلها العدو فبعد قليل ستفعل الموسيقى فعلها فى النفوس التى أرهقتها المعارك وفى القلوب التى أدمتها الحرب. راح القائد يركز نظراته على الجندى الذى كان قد بدأ يفرغ بندقيته من ذخيرتها وهو يحادث نفسه: لقد خدعنا قادتنا فلا يمكن أن يكون العدو بالبشاعة التى يتحدثون بها عنه. فجأة اندفع الجندى باتجاه معسكر العدو، فما كان من القائد إلا أن ثقب مؤخرة رأس الجندى بطلقة حاسمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 12 يونيو، 2009

إعادة نشر (المعلم يعقوب.. بين الحقيقة والأسطورة) ينذر بعاصفة غضب



هل تذكرون فتنة رواية «وليمة لأعشاب البحر»؟ نحن الآن على أعتاب فتنة مثلها بل أخطر وأشد، أسامة عفيفى رئيس تحرير سلسلة « ذاكرة الوطن» استخدم سلطات منصبه وأعاد نشر كتاب «المعلم يعقوب.. بين الحقيقة والأسطورة» للدكتور أحمد حسين الصاوى، بعد نشر الكتاب انطلقت من فوق أرصفة الإنترنت حملات شعواء طالت عفيفى والذين معه وهددت بالويل والثبور وعظائم الأمور، وقد اتهم الذين شنوا الحملة هيئة قصور الثقافة ناشرة الكتاب بكل نقيصة جادت بها أقلامهم، وعلى رأس النقائص كانت تقف مفزعة نقيصة «الطائفية» والإساءة إلى الكنيسة الوطنية!

وليس بوسع أى قارئ منصف للكتاب إلا الانزعاج من المحتقنين الذين يحجرون على حوادث التاريخ وينادون بمصادرة أى كتاب لم يكتب على هواهم، إن الذين طالبوا بمصادرة الكتاب هم الذين يسيئون لتاريخ الكنيسة الوطنية التى وقف رئيسها ضد أطماع المعلم يعقوب الذى انسلخ عن أمته والتحق بقوات الغزاة.

هنا نستدرك على الذين هاجموا ونعرض الكتاب لكى يختلف معه من أراد عن بينة، ويدافع عنه من أراد عن بينه بعيدا عن سياسة تجريم التاريخ التى أصبح البعض ينتهجها لتخويف كل باحث عن الحقيقة.

المصالح تتصالح

المشهد الأول: الأقباط يبرعون فى مسك الدفاتر وجباية الضرائب وكل ما له علاقة بتنظيم الحياة المادية لمصر فى كل عصورها منذ دخلها الإسلام.

المشهد الثانى: الأقباط يحتفظون بمكانتهم الوظيفية فى عهد المماليك والأتراك وعندما يأتى الغزو الفرنسى لا يتغير من الأمر شىء.

المشهد الثالث: نابليون بونابرت يعين المعلم جرجس الجوهرى مسئولا عاما عن تحصيل الضرائب العقارية، ويعهد إليه بتنظيم الموارد المالية للحكومة.

المشهد الرابع: المماليك (مسلمون) بقيادة مراد بك يشنون حربا شعواء على قوات الحملة الفرنسية.

المشهد الخامس: مراد بك يتحصن فى الصعيد ويواصل حربه للقوات الفرنسية.

المشهد السادس: مراد بك يوقع اتفاقية «سلام وتحالف» مع كليبر، وتقضى الاتفاقية بأن يحكم مراد بك الصعيد باسم الجمهورية الفرنسية مقابل تمتعه بخَراج إقليم جرجا، وعليه أن يتكفل بتموين القوات الفرنسية المرابطة فى ميناء القصير وأن يساعدها فى حالة الاعتداء عليها.

المشهد السابع: أمراء مماليك (مسلمون) مثل عثمان البرديسى وعثمان عسكر وحسين الكاشف يتحالفون مع الفرنسيين.

المشهد الثامن: التحالف مع المماليك (المسلمون) يتيح لكليبر فرصة القضاء على ثورة القاهرة الثانية (قادتها وجمهورها من المسلمين).

المشهد الثامن: وهو للحق من مشاهد زماننا العابث، شارع مراد الذى بالجيزة تتم تسميته على اسم المملوك المتحالف مع الغزاة.

الختام: هل رأيت كيف تتصالح المصالح؟

هنا ملوى


فى حوالى العام 1745 ولد يعقوب حنا بمدينة ملوى، تعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب ثم لما أتقن المحاسبة عمل فى خدمة «سليمان بك أغا» ( مسلم) ليضبط دفاتر حساباته، وقد جنى يعقوب من وراء عمله ثروة ضخمة.

كان يعقوب قوى البنية محبا للفروسية وقد حارب فى صف المماليك ضد قوات القبطان حسن باشا التى كانت تحاول تثبيت حكم العثمانيين لمصر قبيل قدوم الغزو الفرنسى.

كان يعقوب مخالفا لعادات قومه فى الزى والنشاطات ويكفى أنه اتخذ امرأة بطريقة غير شرعية، وقد نصحه بطريرك الأقباط بتحسين سلوكه ولكنه رفض النصيحة.

عندما وقع الغزو الفرنسى كان يعقوب رجلا مكتمل الرجولة فى الثالثة والخمسين من عمره، ملأ جلده طموح قاتل، لم يعد يعقوب راضيا بدور الثرى أو جامع الضرائب أو المحاسب، إنه يبحث عن دور يضعه حيث يرى نفسه.

وجد يعقوب ضالته فى الفرنسيين فقدم نفسه إليهم ( هل يذكرك هذا بفلان وفلان فى العراق مثلا؟ ). يعقوب الصعيدى العارف بدروب بلاده رافق الجنرال «ديسيه» ليخضع الصعيد للحكم الفرنسى الجديد. وقع يعقوب ( كما سيأتى ) فى غرام ديسيه ولذا بذل كل جهده لإنجاح حملة قمع الصعيد !!.

قام يعقوب بتأمين طرق مواصلات الحملة ونظم الشئون الإدارية فى الأقاليم التى تم إخضاعها، وعمل على التوفيق بين قديم القوانين وجديدها، ثم شارك بفاعلية فى المعارك التى جرت بين المماليك والصعايدة من جانب، والفرنسيين من جانب آخر.

اشتبك يعقوب على رأس فصيلة من الفرسان الفرنسيين مع المماليك عند بلدة «العتامنة» بأسيوط، وأبلى بلاء حسنا فى تلك المعركة حتى إن القائد الفرنسى قدم إليه سيفا تذكاريا نقشت عليه جملة «معركة عين القوصية 24ديسمبر 1798».

فى عهد كليبر

غادر بونابرت مصر فجأة فى الأول من أغسطس 1799 وتولى كليبر قيادة الحملة، وعاد ديسيه من الصعيد برفقة يعقوب الذى قدم حتى الآن خدمات جليلة للفرنسيين ولكنه كان دائما «يلعب لصالحه الشخصى» يقول الجنرال بليار فى مذكراته عن يعقوب: «ومع أنه كان يعمل لحسابنا فهو لم ينس مصالحه الخاصة».

تحصن يعقوب فى قلعته التى شيدها فى «الرويعى» وضم إليه معظم عساكر الزعيم المملوكى حسن بك الجداوى، ومنحه كليبر رتبة كولونيل، فبدأ يعقوب فى تكوين فرقة قبطية مسلحة ستعرف لاحقا باسم الفيلق القبطى، وقام من ماله الخاص بتجهيز الفيلق بالتموين والسلاح. وكان الهدف من تكوين الفيلق هو مساعدة الفرنسيين.

نصب تذكارى للمحبوب

شارك يعقوب ورجاله فى تحصين القاهرة فى وجه العثمانيين عندما حاولوا الاقتراب منها للمرة الثانية فى عام 1801، وكان من أعوان يعقوب فى قهر المصريين رجل يدعى «مصطفى الطاراتى»، وقد كأفا مينو الذى تولى قيادة الحملة الفرنسية بعد كليبر المعلم يعقوب ومنحه رتبة جنرال.

غادر ديسيه مصر فى عهد كليبر لينضم لبونابرت فى حربه مع النمسويين، وقد قتل ديسيه فى معركة «مارنجو»، وحزن يعقوب على مقتل صديقه الشاب حزنا عظيما وكتب إلى الجنرال مينو يعرض عليه دفع ثلث تكاليف بناء النصب التذكارى المزمع إقامته تخليدا لذكرى «الرجل الذى وهبه قلبه» ــ حسب نص عبارة يعقوب.

هنا لا يقطع المؤلف بشىء حول طبيعة علاقة يعقوب بديسيه، وإن كان يشير إلى تعلق الشيخ إسماعيل الخشاب بشاب من ضباط الجيش الفرنسى!!

لم يتوقف الأمر عند تحمل ثلث تكاليف إقامة النصب بل تعداه إلى مدح الفقيد بقصيدة عصماء تتحدث عن شوق القلب إليه !!!

كلف يعقوب صديقه الأب رفائيل بكتابة مرثية شعرية فى ديسيه، تعبر عن مشاعره تجاه صديقه، والقصيدة على ركاكتها كانت تسجيلا لمشاعر وأحاسيس يعقوب نحو الضابط الشاب الذى عاش معه فى الصعيد وكان لا يفارقه!!

وبعد أن كتب الأب رفائيل مرثيته أرسلها يعقوب إلى باريس، ومن أبيات القصيدة التى قد تشير إلى طبيعة العلاقة بين يعقوب وديسيه :

لم يزل بفكرى مخلدا أبدا
حتى إلى خروج الروح من صدرى
جد علىّ بلحظ العين مترأفا
وانظر إلىّ بأسنى برقة النظر
ومحبتنا للفرنسيس فلابد عنها
لأنهم اعتقونا من الأضرار والشر.

كان صرحا من خيال

سرعان ما هوى صرح الخيال الذى شيده المعلم يعقوب، كانت القوات العثمانية التى تريد استرداد مصر من قبضة الفرنسيين تتقدم باتجاه القاهرة فى ذات الوقت الذى تقدمت فيه القوات الانجليزية باتجاه رشيد فوقع مينو بين طرفى كماشة فكان لابد من الانسحاب من مصر وإعلان فشل الحملة. ماذا يفعل يعقوب وكل الذين وضعوا أنفسهم فى خدمة الاحتلال؟

جمع يعقوب فيلقه وأراد السفر إلى فرنسا، ولكن نساء وأولاد الجنود تشبثوا بالبقاء فى مصر، من ناحيتهم أراد العثمانيون استمالة الشعب إليهم فأصدروا مرسوما يقضى بالعفو العام عن كل الذين تعاونوا مع الفرنسيين وقالوا نصا: كل واحد من أهالى مصر المحروسة من كل ملة كانت، الذى يريد يسافر مع الفرنساوية يكون مطلوق الإرادة وبعد سفره لا تصادر أملاكه، ولا أحد من أهالى مصر يكون قلقا من قبل نفسه ولا من قبل متاعه، جميع الذين كانوا بخدمة الجمهور الفرنسى بمدة إقامة الجمهور بمصر.

هذا العفو لم يفلح فى حالة يعقوب ويوسف الحموى وعبد العال الأغا قائد قوات الأنكشارية الذى طلق زوجته وباع متاعه وسافر مع الفرنسيين ( ليس الأقباط هم الذين تعاونوا فقط ) أخيرا جاءت ساعة الحقيقة وصعد يعقوب إلى الفرقاطة الإنجليزية بالاس وهى السفينة نفسها التى أقلت الجنرال بليار وعددا من جنوده عائدين خائبين إلى فرنسا. وهنا يبدأ الفصل الأخير من مغامرات يعقوب.

مع لاسكاريس

ولد تيودور لاسكاريس فى عام 1774لأسرة من نبلاء إيطاليا وانخرط وشقيق له فى سلك فرسان القديس يوحنا بجزيرة مالطة، التى غزاها نابليون وهو فى طريقه لمصر وانتزعها من أيديهم، صحب تيودور لاسكاريس نابليون إلى مصر، وقد جاء فى مراسلات نابليون أن الأخوين لاسكاريس كانا مصابين بلون من الهوس وشذوذ الأهواء وخاصة تيودور الذى وصل الأمر به إلى حد الجنون لأنه كان صاحب عقل مغرق فى الخيال، وقد قال لاسكاريس لقائد الحملة مينو: إن القدر يهىئ لكل إنسان فى هذا العالم الطريق الذى يسلكه وكثيرا ما أرتفع بنفسى فوق عالم الواقع لكى أخطط لمشروعاتى، وأترك لخيالى أن يذلل كل ما قد يعترضها من عقبات.

على متن السفينة الإنجليزية كان القبطان يميز المعلم يعقوب بنوع خاص من المعاملة، وهو الأمر الذى جعل يعقوب يقول للقبطان: إننى عندما أعتمد فى تحقيق غايتى على الفرنسيين لم أكن أدرك قوة الإنجليز، أما الآن فقد خدعنا الفرنسيون، وأصبح الشعب المصرى يحتقرهم كما يحتقر الأتراك «تلقف لاسكاريس هذه المغازلة وتدخل عقله صاحب المشروعات العجيبة وقال للقبطان إن الجنرال يعقوب إنما يسافر على رأس وفد مصرى اختاره أعيان البلاد ليفاوض الحكومات الأوربية المعنية فى موضوع استقلال مصر». هذا الخيال الجامع يصبح للأسف هو الدليل الوحيد على المساعى التى بذلها يعقوب فى سبيل استقلال مصر عن الحكم التركى!

لاسكاريس كان يمارس هوايته فى إطلاق المشروعات غير القابلة للتحقيق، أما يعقوب فقد كان يكذب، إذ لم يكن ممثلا للمصريين ولم يكن على رأس وفد المطالبة بالاستقلال، يعقوب لم يكن سوى باحث عن مصلحة خاصة تمكنه من الزعامة الشخصية، وسامح الله الدكتور لويس عوض الذى تلقف هذه القصة وجعل من خلالها يعقوب بطلا من أبطال الاستقلال.

قبر من الخمر
عندما كانت السفينة بالاس لاتزال فى عرض البحر أصيب يعقوب بالحمى، ما لبث أن اشتد عليه المرض ومات فى عرض البحر فى 16 أغسطس 1801، وكانت آخر كلماته وهو يحتضر للجنرال بليار أن يدفن مع صديقه ديسيه فى قبر واحد.

ولم يلق قبطان السفينة بجثة يعقوب إلى البحر كالمعتاد فى مثل هذه الحالة، بل استمع إلى رجاء من معه فاحتفظ بالجثة فى دن من الخمر حتى وصلت السفينة إلى مارسيليا وهناك تم دفنها، ليسدل الستار على الفصل الأخير فى حياة يعقوب.

والآن بعد هذا العرض لأبرز ما جاء فى كتاب الدكتور أحمد حسين الصاوى، هل لنا أن نسأل: أين هى تلك الطائفية التى أغضبت البعض من إعادة نشر الكتاب؟

لقد ذكر الدكتور الصاوى كل ما يتعلق بالذين تعاونوا بل وتحالفوا مع الاحتلال ولم يفرق بين مسلم ومسيحى وشن حملة قوية ضد خيانة مراد بك الذى تمتع هو وقومه بخيرات مصر، ثم تحالفوا مع الغازى لأنهم دائما وأبدا كانوا ينظرون إلى مصالحهم الشخصية بعيدا عن مصلحة البلاد التى نعموا بخيراتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمراء من فخار





فى مسلسل تليفزيونى قديم تدور قصته فى زمن المماليك دخل الزوج على زوجته فوجدها هادئة ترعى شئون منزلها فصاح فى وجهها غاضبا: تتمتعين بكل هذا الهدوء وقد كدت أقتل اليوم فى المعركة التى دارت بين أميرين من أمراء المماليك؟ 



رمته الزوجة بنظرة ساخرة قائلة: وما الذى دعاك للتدخل بينهما، إنهم فخار يناطح بعضه؟ 

وهكذا جرت المقادير على المصريين المعاصرين أن يتورطوا فى معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، أعنى مسلسل الإخوان والحكومة الذى من فرط تكرار حلقاته أصبح مملا، يهاجم الإخوان موقفا ما للحكومة فتعتقل الحكومة قياداتهم، ثم تلين الجماعة فتسمح لها الحكومة بحصد مقاعد البرلمان ثم تعود الجماعة إلى الهجوم فتحيلها الحكومة إلى المحاكم العسكرية، وفى كل حلقة من حلقات الصراع لا نخرج بجديد، وإنما هو ذلك الضجيج الذى لا يعقبه أى دقيق أو طحين، فلا يعرف أحد على وجه اليقين ما الذى يريده الإخوان؟ هل يريدون الحكم؟ هم أنفسهم قالوا فى ندوة لـ«الشروق» لن نقف وقفة حاسمة إلا بغطاء شعبى، وإلى أن يهبط عليهم هذا الغطاء الشعبى سيظل الأمر «محلك سر» وهذا هو أيضا حال الحكومة التى لا يعرف أحد حقيقة موقفها من الجماعة، ففى الوقت التى تشن فيه حملات إعلامية وأمنية مستهدفة قيادات إخوانية نرى الإخوان ينشطون فى طوال البلاد وعرضها لا بوصفهم حزبا سياسيا ولا بوصفهم جماعة دعوية إنهم ينشطون هكذا بدون مسمى وكأنهم أطياف لا مرئية! 

هذا التخبط وخلط الأوراق يمارسه الطرفان عن عمد وباحترافية عالية، فها هو قيادى إخوانى كبير يرجع حملة الحكومة الأمنية الأخيرة على الجماعة إلى رغبة الحكومة فى منع الإخوان من لقاء الرئيس الأمريكى أثناء زيارته لمصر! 

ترى ماذا سيقول الإخوان بعد أن جاء أوباما وكان بعض من قياداتهم فى الصفوف الأولى بين سامعى خطابه؟ هل سيقولون كنا هناك بوصفنا مستقلين؟ أم سيقولون إن الحكومة ديمقراطية سمحت لنا بشرف الاستماع لأوباما؟ أم سيقولون إن أوباما أمر بحضورنا وتم تنفيذ أمره!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ