الجمعة، 29 مايو، 2009

أبويا من كينيا





لأن الأمريكان أولاد جنية فقد أرسلت سفارتهم فى القاهرة للرئيس أوباما فيلما قصيرا، تضمن وصفا بالصوت والصورة لجامعة القاهرة والمناطق التى تحيط بها، بداية من كوبرى ثروت ونهاية ببين السرايات، مرورا بالكوبرى الخشب وناهيا ومقار، وقال بعضهم إن الفيلم أظهر عم عطية بائع الجاز الذى يقطن أسفل كوبرى فيصل، وهو يتجادل مع ست حسنية حول ثمن لتر الجاز. 



هذا ما قاله لى أحد العالمين ببواطن الأمور الذى أكد أن تصوير الفيلم جاء ردا على محاولات الإدارة المحلية تزيين المنطقة التى سيزورها فخامة الرئيس أوباما، حتى تبدو فى عينيه كعروس ليلة زفافها، وحذرت السفارة رئيسها من «فهلوة» المصريين الذين سبق لهم خرم التعريفة والربع جنيه أيضا كما استطاعوا بالجهود الذاتية دهن الهواء دوكو. يتابع محدثى: جاء الرئيس فرأى قبة جامعة القاهرة لامعة من غير سوء وكأن آلاف العصافير لم تفعلها فوقها قط، استرجع الرئيس مشهدا من الفيلم يظهر صبيا فى العاشرة من عمره متعلقا بباب حافلة (الاسم الأمريكى للميكروباص) وينادى: واحد منيب واحد منيب، باغت الرئيس أوباما أحد مرافقيه المصريين وسأله: «أين تقع المنيب»؟ 

تلعثم المرافق ثم استعان بتراث الفهلوة العريق وأجاب: «سيادتك المنيب هذه محمية طبيعية لعصافير الكناريا وفقا لقرار منظمة اليونسكو رقم 12345678009 والمنيب سياتك تعبر...» هنا قاطع أوباما مرافقه قائلا: «دعك من المنيب وقل لى أين ذهبت الميكروباصات التى كانت تقف أمام باب الجامعة وأين ذهب ماسحو الأحذية وبائعو الجرائد والعرقسوس والمناديل والأمشاط والفلايات، بل أين ذهب الطلاب والأساتذة»؟ ثم تابع الرئيس كلامه قائلا بسخرية: اسمع يا هذا أنا أصلا من كينيا، وأبى ولد فى حوارى نيروبى وسأكتشف الحقيقة بنفسى. 

هنا قال لى راوى القصة أن هوليوود أكبر مصنع للأوهام التى تشبه الحقائق تدخلت بناء على أمر أوباما وأرسلت رجلا يشبهه كأنه هو، أكمل الشبيه الزيارة والتقط الصور التذكارية بجوار سبع قصر النيل (غسلته الإدارة المحلية بنوع فعال من الشامبو) ثم عاد الشبيه إلى واشنطن وبقى أوباما حسين باراك فى القاهرة ليكتشف الحقيقة بنفسه بعيدا عن تأكيدات فيلم السفارة ومزاعم الإدارة المحلية. يكمل محدثى القصة قائلا: هل رأيت ذلك الرجل صاحب الجلباب الممزق الذى يمسك علما قديما ويطوف به ميدان التحرير صارخا «اصحى يا مصر»؟ أجبته نعم، قال محدثى: ذلك هو أوباما حسين باراك بعد أن مضى على بقائه فى القاهرة ثلاثة شهور فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 22 مايو، 2009

ليست بيضة الديك



منذ أغسطس من العام الماضى وإلى أمس الخميس، كانت قضية مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم هما رئيسيا من هموم المصريين الذين شاهدوا ولأول مرة رجل أعمال كبيرا جدا ومؤثرا للغاية، يقف أمام القضاء متهما فى جريمة قتل خارج الحدود، وقف الرجل فى مشهد ينتمى لليوم الآخر أكثر مما ينتمى للحياة الدنيا، عندما يقف الجميع فرادى وقد ذهبت عنهم حماية أموالهم وجبروت قوتهم. 


الآن وقد أسدل الستار على الفصل الأول من القضية، هل يرتدع أصحاب النفوذ الذين يؤمن بعضهم أن القانون أوجد ليطبق على غيرهم وأن العقاب هو أمر خاص بالآخرين ولا يمكن بحال من الأحوال أن يطالهم منه شئ؟ 

من الوارد وبقوة أن يمثل الحكم الصادر فى حق رجل الأعمال الأشهر هشام طلعت مصطفى صفعة لأوهام المتوهمين الذين خدعتهم أموالهم وغرهم نفوذهم فراحوا يتعاملون مع كل شئون الحياة وكأن الدنيا بأسرها قد ألقت إليهم بمقاليدها وكأنهم خلقوا ليعيشوا كما يريدون هم. 

ومن الوارد أيضا أن يتعامل أصحاب النفوذ مع الحكم كأنه «بيضة الديك» التى إن حدثت وهذا مستحيل فإنها لا تتكرر أبدا، هؤلاء سيبدأ عما قريب قصفهم للحكم عبر أبواقهم بمزاعم من عينة أن «هشام» ما كان ليعاقب لولا أنه ارتكب شيئا خلف الكواليس، أو أن الأمر مدبر لصالح فلان أو علان من المنافسين. 

مثل تلك المزاعم ليست بريئة بحال من الأحوال، إذ إنها تستهدف تفريغ الحكم من مضمونه وصرف الأنظار عن حقيقة ساطعة سطوع شمس الظهيرة وهى أن هناك جريمة أُرتكبت وأن المتهمين قد خضعا للمحاكمة، أما الدخول فى تفاصيل ليس عليها شهود وليست عليها أدلة فهو أمر من أمور الحملات الإعلامية والإعلانية يلجأ إليه البعض للقفز فوق أصل الفعل ولاستهلاك طاقة المحللين ومعهم الجماهير فى مناقشات عبثية، كأن يقارن بعضهم بين حكم حادث العبارة وبين الحكم الذى صدر على هشام، أو أن يشيع بعضهم أن القضية برمتها جاءت لتحقيق أهداف بعيدة عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، وسنقرأ فى قادم الأيام أن فضيلة المفتى لن يصدق على الحكم كما زعم بعضهم، وهذه الزعم تحديدا أوجد حالة من البلبلة بين الجماهير التى تابعت القضية وانتظرت صدور الحكم، وقد هاتفت المؤرخ الأستاذ صلاح عيسى وسألته عن هذا الأمر تحديدا فقال لى: لا أذكر واقعة لاعتراض دار الإفتاء على أى حكم قضائى، بل إن قضية ريا وسكينة علق عليها فى عشرة سطور وليس أكثر. 

ختاما يجب أن يتعلم المتنفذون من التاريخ لكى لا تتكرر جرائمهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلينك المقال:http://shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=21052009&id=10202735-69a7-4783-8158-b36238d0e0fb

الجمعة، 15 مايو، 2009

مريض




كان الرجل عجوزا جدا، كأنه ولد قبل تدوين التاريخ، كنت أمر به وأنا فى طريقى للجريدة التى كنت أعمل بها فى ذلك البلد العربى الذى ذاق لعشرات السنوات مرارة الاحتلال الفرنسى، الرجل العجوز لم يبدل يوما من جلسته، أراه دائما بجوار حائط مبنى مهجور، يضع بجواره راديو صغيرا ويضع رأسه بين كفيه بينما شفتاه تمتصان دخان سيجارة، الرجل العجوز يحرك مؤشر الراديو متنقلا بين الإذاعات الناطقة بالفرنسية، يستمع بإنصات غريب عجيب وكأنه يتمنى لو عانق صوت المذيع أو المغنية، أحيانا كان يهز رأسه بعلامات الموافقة وأحيانا كان الأسى يكسو وجهه وهو يلصق أذنه بالراديو وأحيانا كان يطلق ضحكات عصبية مبتورة. 


كيف كان هذا الرجل المتوحد مع الإذاعات الفرنسية ينفق على نفسه وهو الذى لا يبرح مجلسه أبدا؟ 

بجوار الراديو الصغير كان الرجل قد وضع علبة كرتونية صغيرة، يسقط فيها المارة ما يتفضلون به على العجوز من مال أو سجائر! 

إذا لاحظ العجوز تجاهل المارة له. خفض صوت الراديو وبسط كفيه وراح يدعو بصوت متحشرج عضه الجوع وافترسه الألم: «اللهم ارحم عبادك واسق بهيمتك» ثم يردف مخاطبا المارة: «الله سيطعمنى ويسقينى كما يطعم الوحوش فى الصحراء». 

رقة القلب العربية تدفع المارة إلى إسقاط نقودهم وسجائرهم فى علبة الرجل الكرتونية الذى ما إن يشعر بـ«تحسن أحواله المادية» حتى يعود لرفع صوت الراديو ويروح يهز رأسه فى طرب وهو يتابع ما تبثه الإذاعات. 

حالة الرجل حيرتنى، فهيئته لا تدل على ثقافة واسعة تسمح لصاحبها بإتقان الفرنسية لدرجة التوحد مع النشرات والأغانى وباقى المواد الإذاعية، ثم هو ليس عدوانيا وإن كان يبتز المارة شأن كل الشحاذين، كما لا تظهر عليه علامات الجنون المتعارف عليها، إنه فقط يدخن ويستمع إلى الإذاعات الفرنسية. 

سألت عنه أحد أصدقائى من أبناء البلد فقال لى: «هذا رجل مسكين إنه مريض». 

قلت لصديقى: وهل مكوثه بجوار حائط المبنى المهجور سيدفع بالشفاء إلى عروقه، لابد من أن يذهب إلى المستشفى. 
ابتسم صديقى وهو يقول: مرضه لا شفاء منه، فقلبه مصاب بالحنين لزمن الاحتلال. 

لا أدرى لماذا قفزت إلى ذهنى هذه القصة البعيدة وأنا أتابع مهرجانات مبايعة الرئيس الأمريكى أميرا للمؤمنين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 8 مايو، 2009

نرمين تنزف





شكرا لـ«الشروق» لأنها نشرت، وشكرا للجليل علاء الديب لأنه نوه، وشكرا لنرمين نزار لأنها اقتطعت من وقت لعبها ساعة للنزيف اسمتها «إسكندرية ـ بيروت» هل حقا كانت نرمين نزار البيروتية المقيمة فى الإسكندرية والإسكندرانية المولد فى بيروت تمارس لعبا أى لعب كما وصفت حياتها؟ 

 
كان الحنين لطفولتها ولأبيها ولأصحابها ولأغانيها قد طعنها حتى «تكسرت النصال على النصال» فطلبت من إحدى صاحباتها أن تعلمها كيف تصنع «مدونة» علمتها الصاحبة ثم انطلقت بنت الرجل الذى لم تتمتع بأبوته إلا فى آخر ثمانية شهور من حياته تحكى وتنزف وتضحك وترقص وتسمى كل ذلك الصدق الموجع لعبا!! 

لماذا تركت نرمين رحابة البحر والجبل إلى زحام القاهرة وترابها؟ إنها الحرب المجنونة التى ستحملها كوشم على جدار قلبها، تقول: لم أعد أذكر من الحرب إلا أمى وهى تلقينى على الأرض بجوار السيارة وتلقى بنفسها فوقى لتحمينى من رصاص منهمر. (لا تصدقها أرجوك) لأنها وقد كبرت حتى شاخ القلب تبكى فى هيستيريا مزعجة لأن شباب حى الإبراهيمية الإسكندرى أشعلوا النار فى أسلاك الألومنيوم ابتهاجا بعيد رأس السنة، بكت وخافت لأن صوت النيران التى تلتهم السلك يشبه صوت الرصاص فى بيروت. 

نزلت نرمين القاهرة وسعدت لأنها وجدت مكانا يبيع «الفقوشة» ثم تساءلت: هل تكون فقوشة بدون بحر وجبل؟ 

عملت نرمين فى مكتب تابع بشكل ما للأمم المتحدة لخدمة اللاجئين ثم بعد عامين تتساءل عن «أخلاقية» مرتبها الذى تتقاضاه وهى ترى الأمم المتحدة تعيد لأب ابنتيه اللتين اغتصبهما لكى يجبرهما على العمل بالدعارة!! 

يومها طفح الكيل وقدمت نرمين استقالتها لكى تعتذر عمليا لكل اللاجئين الذين تأكد لها أنهم مجرد أوراق لعب سياسية تستخدمها هذه الجهة أو تلك، وغير ذلك لا يوجد شىء حقيقى. 

من بيروت إلى قبرص إلى التنقل ما بين القاهرة والإسكندرية إلى الغناء والشعر والروايات إلى الأصدقاء الأوفياء وهؤلاء الذين يخونون عند أول منعطف، عالم يبدو ساحرا ولكن «من رأى السم لا يشقى كمن شرب» إن كل تلك الارتحالات تجعل نرمين تلخص عالمها فى الروائع فلابد من الزعتر وزيت الزيتون والمرامية (التى يغضبها نطق المصريين لها) لكى تشعر أن هناك بيتا يستحق أن تنظر إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 2 مايو، 2009

احتفالات حولاء



الأسبوع الماضى تزامن احتفال المصريين بمولد الإمام الحسين بن على رضى الله عنهما مع احتفالهم بعيد تحرير سيناء، الاحتفالان يرسخان ما سبق للشاعر الكبير الراحل محمود درويش وأن سماه «زمن انتحار المعنى» أو ما سماه آخرون «سيطرة حرف التشبيه كأن» فكل شىء يبدو كما لو كان حقيقيا، لكن لو بحثت فى أعماقه فيما هو تحت السطح البراق اللامع فلن تجد للحقيقة أثرا، فمعنى ورمزية حياة الحسين غائبة تماما عن أى احتفال يجرى بشأن أى مناسبة تخص ذكراه، فالشيعة وهم يحتفلون بذكرى استشهاده يجعلون من تلك «الشهادة الجليلة» مناسبة للطم الخدود وضرب الصدور وجلد الظهور، ولا يعرف أحد أى محل لتلك الأفعال فى مناسبة استشهاد رجل دفع حياته وحياة أولاده وأصحابه ثمنا لما يعتقد أنه صحيح، ثم تأتى احتفالات المصريين «السنة» بطقوسها الغريبة العجيبة لتجعل من المناسبة فرصة لترويج جميع أنواع «الممنوعات» على المستويين الأخلاقى والعقائدى، فما معنى كل هذا الصخب والضجيج بل التحرشات والمخالفات التى تتكدس على جنبات الاحتفال بالحسين؟

الحسين الذى انتصر دمه على كل سيوف الطغاة وظلت صيحته الخالدة «هيهات منا الذلة» تزلزل عروشهم لو نظر لاحتفالاتنا به لصاح مستعيرا لسان المتنبى: «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم»

 الحال ذاته نراه فى احتفالات سيناء التى دفع آلاف المصريين حياتهم ثمنا لعودتها إلى حضن الوطن، فلما عادت كما تؤكد الأغانى «كاملة لينا» تحولت بقدرة قادر إلى مناسبة هى إلى الفلكلور أقرب منها للواقع المعاش، فبعد الأغانى لن تسمع شيئا جادا عن حل مشكلات متراكمة يعانى منها مواطنو سيناء، تلك المشكلات التى لا تجد سوى معالجات أمنية إن أصابت مرة فهى تخيب مرات، أين تنمية سيناء بعد مضى كل تلك السنوات على تحريرها؟ ما حدث أن أرض المعارك والملاحم والدماء الطاهرة قد أصبحت أرضا للفنادق والمنتجعات، ولا غبار على إقامة الفنادق والقرى السياحية ولكن أين المواطن السيناوى من كل هذا؟ المواطن السيناوى واقع فى قبضة مشكلات معقدة يحتاج حلها لعقول تتفهم خصوصية ذلك الإقليم ولسواعد لا تفكر سوى فى البناء. لو حدث ذلك لكانت احتفالاتنا مبصرة بدلا من تلك الاحتفالات الحولاء التى تنظر فى الاتجاه المعاكس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ