الثلاثاء، 6 يناير، 2009

نايل كوميدي تتضامن مع غزة



في كتابه العلامة "محاوراتي مع السادات" روى مؤلفه الراحل الكريم "أحمد بهاء الدين" قصة لافتة قال الأستاذ بهاء: "استقبلني الرئيس السادات صائحًا: "أصحابك، أكلوا امبارح علقة موت" وعندما سألته من هم أصحابي، أجابني: "أقصد الفلسطينيين".
قصة الأستاذ بهاء تعود أحداثها إلى النصف الثاني من السبعينيات وكانت تشير إلي اشتباك جرى بين الفلسطينيين والصهاينة علي أرض لبنان. اللافت في هذه القصة أنها تصلح، وبغير تعسف ــ لأن تكون مفتاحًا لفهم سياسة السادات الممتدة إلى الآن تجاه العرب عامة وفلسطين خاصة، وهي سياسة تؤكد على "النفي العملي لعروبة مصر" مع شن حملات لفظية في الاتجاه المعاكس، وهي حملات لا تتجاوز حناجر مطلقيها، لأنها في المحصلة النهائية لا تعني شيئاً، هي مجرد كلام والسلام، ثم جاء النظام الحالي فخطي خطوات حاسمة في الطريق الساداتي وتعددت الشواهد الدالة علي سياسة "النفي" بداية من تدمير الصهاينة للمفاعل النووي العراقي بعد لقاء ضم الرئيس الراحل ومجرم الحرب بيجين ومرورًا باقتحام دبابات مجرم الحرب شارون لبيروت، ثم سقوط بغداد تحت أقدام همج أمريكا، وصولاً إلى العدوان الصهيوني علي لبنان وهو عدوان يكاد أن يكون يوميًا وصولاً إلى المذبحة التي يرتكبها العدو حالياً ضد غزة، في كل تلك الحالات كانت السياسة الفعلية المصرية هي سياسة "دعه يذبح ودعنا نشجب" وللحقيقة وللتاريخ فإن سياسة "الشجب" هي سياسة عربية تشمل كل الأقطار، إذن لماذا التركيز على مصر فقط؟
التركيز على دور مصر يرجع لإيمان كل العرب أن مصر هي القائد، وقد قال لي مثقف مغربي كبير: "المغربي لا يقبل بقيادة جزائرية، والجزائري لن يقبل قيادة تونسية، والسعودي يقبل العمى ولكنه لا يقبل القيادة الكويتية، ولكن الجميع يقبلون بل ويرحبون بقيادة مصر".
هذه هي رؤية العرب لمصر ودورها، ولكن الرؤية المصرية لمكانة مصر ودورها تم اختزالها في حيز ضيق جداً من الحركة والمناورة التي غالباً ما تكون كلامية لا تقدم ولا تؤخر بل لا يلتفت إليها أحد، مثل تلك النداءات التي تنطلق عقب كل عدوان تتعرض له الأمة، مطالبة بضبط النفس، أو تلك التحركات التي تظهر مصر وكأنها فاعل خير يتبرع بالغطاء والطعام لمن يرتجف من البرد والجوع، وقد عشنا ورأينا لافتة مثبتة علي سطح شاشة قناة "النيل الكوميدية" تقول: "قررت وزارة الإعلام المصرية إرجاء انطلاق قناة كوميدي تضامناً مع أحداث غزة وسيتم لاحقاً تحديد ميعاد انطلاق القناة"!!
ـــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 6 يناير 2009