الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2008

في مديح الجزمة



               
                    
أحسدهم هؤلاء الشعراء أصحاب البصائر الملهمة، لأنهم يسمعون "دبيب" الأمل القادم من قلب اليأس، وقف أجملهم محمود درويش في تلك الأيام التي كانت فيها دبابات المجرم شارون تقتحم بيروت لتسحق أصابع الأطفال وتدهس الورد والزعتر، ليصرخ بأجمل أبياته.
"الله أكبر
هذه آياتنا، فاقرأ
باسم الفدائي الذي خلق
من جزمة أفقا
باسم الفدائي الذي يرحل
من وقتكم.. لندائه الأول
الأول.. الأول
سندمر الهيكل
باسم الفدائي الذي يبدأ
اقرأ"
وقد جعلنا الفدائي "منتظر الزيدي" نقرأ حذاءه الطائر نحو وجه مجرم الحرب بوش قراءة مترعة بالأمل في القادم الذي سيثبت للجميع أن هذه الأمة ــ رغم أنف العقلاء ــ لم تمت وأنها قادرة على ابتكار وسائل نضال جديدة (ما الفارق بين أحجار أولاد فلسطين وحذاء منتظر؟) كلها وسائل ترفع عن الأمة ذنوبًا وخطايا "التعقل" الذي أصاب بعضهم فراح يحاضرنا عن دور الصحفي (وكأننا لا نعرفه) وراح يطالب الزيدي برشق بوش بالأسئلة وكان مجرم الحرب ابن مجرم الحرب حفيد مجرمي الحرب من الذين يستحون وتوجعهم الأسئلة، إن هؤلاء الذين "تعقلوا" فجأة، أمرهم مضحك، فهم بعقلهم الجديد، يريدون خلط الأوراق بدعوي أن حذاء الزيدي لن يقدم ولن يؤخر وضرره أكثر من نفعه، وراحوا يعايروننا بفرحتنا وكأننا كنا نضحك في جنازة، هؤلاء الذين يتعقلون علي سطر ويتركون آخر، نسوا أنهم طالبوا صعايدة مصر بالقصاص من الذين أغرقوا أولادهم في عبارة ممدوح إسماعيل، وللتاريخ هم لم يطالبوا الصعايدة بالقصاص، بل حرضوهم علي الثأر!! فهل الثأر هنا مباح والثأر في العراق إذا كان موجهًا ضد مجرم حرب حرام؟
ببساطة ووضوح وبالعقل والشرع أيضاً نقول: أمريكا دولة احتلال تسلحت بمجموعة من الأكاذيب وجاءت إلي وطننا لتحتل قطرا منه، وعلي ذلك يصبح رئيسها عدوا من حق أي عراقي ليس رشقه بالحذاء فحسب بل قتله أيضاً. هل يوجد خلل في هذا المنطق أم أن الخلل هو في منطق الذين يتحدثون عن همجية العرب وجبن العرب وباقي لائحة الاتهامات التي لا تصب إلا في مصلحة العدو (هذا إن كانوا يرونه عدوا)، أقول ذلك لأن بعضهم أخذته نوبة "عقل" فصور لنا أن بوش ما هو إلا "رسول" وأن آداب الإسلام تحرم الاعتداء على الرسول!! هل رأيتم خلطًا للأوراق أشد سخافة من هذا الخلط؟ متى كان بوش رسولا؟ ومتي وجب على مُغتَصب مثل الزيدي التعامل بـ "الشوكة والسكين" مع قاتل أطفال مثل بوش؟ ولماذا يتعلم هؤلاء العقل ليلا وينسونه صباحاً؟ لماذا يحرضون على الداخل صباح مساء ثم فجأة يركبهم "عفريت" العقل والهدوء إذا تعلق الأمر بالمجرمين الدوليين؟
ـــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 23 ديسمبر 2008

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

وابور الصراصير




يحتل الوابور الذى هو قطار السكة الحديدية مكانة بارزة فى ديوان الغناء أو قل الحنين المصرى، منذ غنى عبدالوهاب بأناقته اللافتة "يا وابور قولى رايح على فين" مرورًا بدلال عفاف راضى وهى تغنى "يا وابور الساعة اتناشر يا مقبل ع الصعيد، حبيبى قلبه دايب، وأنت قلبك حديد". وهناك ما لا يحصى من مواويل التوجع على الأحبة الذين أخذهم الوابور وسافر بعيدًا. هذا كان قبل توغل وانتشار "الفكر الجديد" الذى رمانا بفقر لم نسمع بمثله.


ومن علامات الفقر الجديد تدهور أحوال السكة الحديد حتى أصبح اسمها لدى العامة والخاصة السكة "الحضيض" وقد ركبت وابور السكة الحضيض فى السابعة من مساء الثلاثاء الماضى لأسقط حتى أذنىّ فى حضيض إهمالها، كان الوابور متجهًا من محافظة أسيوط إلى القاهرة، وكان المفترض أن يقلع فى تمام السابعة والنصف مساءً ليصل فى الحادية عشرة ليلًا ، فماذا حدث؟

كانت العربة التى بها مقاعدنا، أنا وأسرتى بعيدة عن الرصيف، لا مشاكل، شالتنا بلاد وحطتنا أخرى حتى وصلنا غارقين فى عرقنا إلى عربتنا، كانت العربة غاية فى القذارة وجهاز تكييفها لا يبرد الجو ولا يسخنه، كان ينفث غبارًا، لكن لا مشاكل فقد اعتدنا على التلوث، انطلق الوابور متخليًا عن ظلال رومانسيته القديمة التى فتنت شعراء الأغانى، ثم بدأ هجوم جيوش الصراصير، صراصير سوداء متوحشة جلبت صراخ الأطفال الأبرياء، ثم سرعان ما تآلفوا معها ويا دار ما دخلك شر.. قبيل وصولنا إلى مدينة الواسطى أظلمت كل عربات القطار اللهم إلا العربات الأربع التى يقال إنها فاخرة ومكيفة، غادر ركاب الدرجة الثانية المظلمة عرباتهم وجاءوا إلى العربات الأربع التى يقال إنها فاخرة، أصبح الزحام لا يطاق، ثم توقف الوابور فى أرض مظلمة جرداء لا زرع فيها ولا ماء من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة والنصف، ثم عاد إلى السير ليتوقف مجدداً وهنا صحت الثورية فى عروق النساء اللاتى يثرن أول كل شهر على أزواجهن وصرخن بأتقى قلب امرأة منهن: "نريد رئيس القطاع" حمقاوات، يظنن أن الوابور هو قطار وأن له رئيسًا، بعد وصول صرخاتهن إلى عنان السماء جاء قاطع تذاكر مسكين وضعوا له "بادج" رئيس القطار على طرف معطفه وقال للنساء الصارخات: "أنا رئيس القطار" سألته النساء عن سبب تعطل القطار فقال: "مفيش أى حاجة والأطر هيمشى بعد شوية".

بعيدًا عن الدعاء الحارق الخارق الذى أطلقته النساء ضد السكة والذى سكها، تقمصت شخصية الخواجة كولومبو أو "كرمبو" ورحت أتابع منبع الصراصير فاكتشفت أن إطار الباب المصنوع من الخشب الذى ضربه النشع فى مقتل فأصبح مرتعاً خصباً وجاذباً للصراصير (إطار خشبى ملفق لقطار فاخر) ثم هناك ما يقال له الحمام وهو شهد الله ليس حمامًا ولا مرحاضًا ولا كنيفًا ولا بيت راحة إنه شىء لا يطيق الخيال وصفه، فضلاً عن تسميته، ثم عاد القطار لمواصلة الرحلة لنصل إلى محطة الجيزة فى الساعة الثانية والنصف صباحاً مسجلين رقمًا قياسيًا فى التأخر، إذ كان من المفترض أن نصل فى تمام الحادية عشرة ليلًا. وقد استغل راكب ظريف الموقف وأمطرنا بسيل من النكات قال الراكب: "فى جمهورية عربية تقدمت المذيعة من سائق تاكسى وسألته ما رأيك فى الرؤساء الثلاثة فلان وفلان وفلان، أجابها السائق: الأول ابن كذا والتانى ابن ستين كذا، وعندما هم بنطق اسم الرئيس الثالث رآه واقفًا خلف ظهر المذيعة، فقال ممسكًا بعصا الفتيس، أما التالت يا ست الهانم فمش شغال". صدق والله السائق فمن الواضح جداً أن التالت مش شغال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 16 ديسمبر 2008