الثلاثاء، 26 فبراير، 2002

الفاتحة

في أي لقاء يجمعك بواحد من أهلنا البسطاء سيشرق بكما الكلام ويغرب حتي تصلا إلي موت علاء ولي الدين لحظتها سينطلق محدثك معددًا محاسن الراحل ومتحسرًا على شبابه وداعيًا له بالرحمة والمغفرة ثم لن يفوته أن يربت علي كتفك في مودة قائلاً: "كلنا لها ولا دايم غير وجه الكريم، الفاتحة على روحه" ستشاركه في تلاوة الفاتحة ثم تمسح وجهك بكفيك وتصافح محدثك وتنطلق إلي حال سبيلك ولكنك بعد قليل ستقف متأملاً ظهر محدثك الذي ابتعد عنك بخطوات مندسا في قلب زحام لا ينتهي ستسأل نفسك ماذا بين هذا الرجل وبين علاء ولي الدين لكي يتحدث عنه بكل المودة والمحبة والحميمية التي تحدث بها؟.
ستجزم بأن هذا الرجل تحديدًا – مثله مثل ملايين – لم تقع عيناه علي علاء ولي الدين مرة واحدة لا في الشارع ولا في المسرح ثم إنه حتمًا لم يتابع رحلته الفنية متابعة دقيقة فمن أين له ترف الذهاب إلي السينما أو بحبوحة الذهاب إلي المسرح فهذا الرجل الذي كان من لحظات يحدثك شأنه شأن ملايين غيره يسعي في "مناكبها" مخترقًا أسواراً جهنمية وراء لقمة عيش بالكاد تشبعه، إذن علاقته بالعالم قائمة على حاسة واحدة هي حاسة "السمع" ويبقى السؤال يطن مثل نحلة في رأسك ما سر كل هذه المحبة
لو تأملت الأمر قليلاً ستدرك أن هذا الرجل يعرف علاء ولي الدين كما لا تعرفه أنت ولا الذين لا شغل لهم إلا "مسك سيرة" خلق الله، إنها معرفة تنبع من هذا الوعي الفطري الذي لم تلوثه المصالح أو شهوة الكلام، هذا الوعي يمكن صاحبه ببساطة من التفريق بين الحقيقي والزائف وبين الموهوب والدعي وبين الصالح والطالح وبين الذي يمثله والذي "يمثل" عليه وأصحاب هذا الوعي الفطري يخترقون الحجب ويختصرون المسافات وينفذون إلي الجوهر ولا يمكن بحال من الأحوال خداعهم قد يتظاهرون بأنهم قد وقعوا في حبال أكاذيبك ولكن هذا التظاهر ما هو إلا حيلة من حيلهم ليواصلوا الحياة.
موقف الجمهور من علاء ولي الدين يثبت للمرة المليون أن هذا الجمهور ليس ساذجًا فموقفه من علاء يكشف مجددًا أنه يدرك جيداً الفرق بين الفساد والفن وبين الفاسد والفنان فأبداً لم يخلط الجمهور الأوراق فهو يفرق جيدًا بين فلان الفنان وبين فلان الذي يمثل أحياناً و"يرتشي" دائمًا ويفرق بين فلانة الفنانة وفلانة التي كان يجب احتجازها في الطابق الثالث عشر بمجمع التحرير ولكنها لظروف ما ذهبت إلى البلاتوه.
________________
الصدى - 26 فبراير 2002