الأربعاء، 29 أكتوبر، 1997

عادات القطط

              
إلى متى تأكل القطط طعامنا وتشرب حليبنا وعندما تشبع تفعلها – بخسة – في زوايا بيوتنا وتنصرف راضية؟
والثعابين تلك التي كان باستطاعتنا أن ندهسها.. لماذا تغرس أنيابها في منتصف قلوبنا؟
وهؤلاء "البكم" لماذا عندما تعلموا الكلام راحوا يشتموننا؟ وتلك الثعابين التي أشفقنا عليها من قرصة البرد وفتحنا لها أبواب حدائقنا لماذا دمرتها ولم تترك بها وردًا ولا عنبًا؟ العيب فيهم أم فينا؟ العيب عيبنا ولا شك لأننا وثقنا "بالمنبتين" الذين لا يحبون إلا ذواتهم ولا يرون غيرها ولا يعبدون سواها وما أتعس المنبت الذي وجد الصحبة والدفء والماء والنار والطعام ثم – ولأنه منبت – راح يهذى ويصف من يخالفه الرأي بأنه "هتيف" و"أمى" و"وطني جديد" مقنعًا نفسه بأنه قد احتكر الحقيقة واستحوذ على الوطنية، بينما نحن ولأننا لا نحب المقاهي الفاسدة الهواء بفعل البانجو ونهش أعراض خلق الله "أميون" "وطنيون جدد" "ولا نفعل شيئًا" فضلاً عن أننا "نشوه العشاق". نعم نحن أميون إذ إننا لا نجيد قراءة أحوال المصالح والمكاسب والمنافع نعم نحن وطنيون جدد لأننا نؤمن بحتمية خلق وطن جديد يكون خاليًا من البرك والمستنقعات والذباب. نعم نحن لم "نفعل شيئًا" مما يفعلون فلا نحن بصقنا في آبار طالما روت عطشنا ولا نحن دهسنا قلوب أصدقائنا. نعم نحن نشوه العشاق بل نفضحهم بل مستعدون لقتلهم ولكن أي جنس من العشاق نحن ضده؟

نحن ضد عشاق الفشل والنميمة والكذب والادعاء والجهل إن أي "غلوشة" على دور شريف ونبيل نقوم به لن يجعلنا نقفل الباب التي تأتي منه الريح، بل إن "غلوشاتهم" ستجعلنا نعلن التحدي وبيننا وبينهم قراء يعرفون من نحن ومن هم.
___________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 29 أكتوبر 1997 

الأربعاء، 22 أكتوبر، 1997

هناء عطية تقتل القارئ البرىء لتمضية أوقات الفراغ





- هل تعرف هناء عطية؟ 

إنها بعينها التي بعثت منذ سنوات بإحدى قصصها إلى مجلة "أدب ونقد" وعندما قرأ مدير تحرير المجلة الأستاذ حلمي سالم القصة وجدها مكدسة بالأخطاء الإملائية والنحوية، فقام – سامحه الله – بإصلاح الأخطاء ونشر القصة علي صفحات المجلة وما فعله الأستاذ حلمي سالم يستحق الشكر من جانب الكاتبة ولكنها علي ما يبدو تؤمن بأن الأخطاء حتي إن كانت في الإملاء من أهم خصائص الكاتب التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها!! وعلى هذا قامت الكاتبة بشن حرب شعواء ضد حلمي ومجلته واستطاعت أن "تجند" نفراً من مشاهير الكتاب لمساندتها في معركتها "المصيرية" فراح المشاهير "يرطنون" بكلام كثير حول حرية الكاتب وضرورة الحفاظ على أسلوبه!! ولم تكتف الكاتبة بهذه المساندة وكلفت "أحدهم" بإعادة كتابة القصة "خالية طبعاً من الأخطاء" وبعثت بها مرة أخرى لتنشرها المجلة لكي تثبت أنها كاتبة أحكمت سيطرتها على أدوات الكتابة. وأمام "نكرانها لجميله" أعاد حلمي سالم نشر قصتها كما وصلته مكدسة بالأخطاء. 

- هكذا كانت بداية هناء نحو اقتحامها عالم الكتابة. وقد تظن أن هذه البداية "الفضيحة" ستجعل السيدة تعود لدارها لتمارس أفعالاً مفيدة كأن ترفو جوارب زوجها أو تراقب تحصيل أولادها المدرسى أو حتى تتجهز للكتابة من خلال العكوف على تلقي دروس في الإملاء والنحو وأبشرك بأن شيئاً من هذا لم يحدث. فقد انطلقت هناء مثل قذيفة تنشر هنا وهناك حتى أصبحت الآن – بسم الله ما شاء الله – كاتبة على سن ورمح!! 

- الشهر الماضي طلعت علينا هناء بأحدث مجموعاتها القصصية وتحمل عنوان "هي وخادمتها" وقد صدرت عن سلسلة أصوات أدبية إحدى سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة. قسمت الكاتبة لسبب لا يعلمه إلا الله مجموعتها إلى قسمين يضمان معاً تسع عشرة قصة. 

يبدأ القسم الأول بجملة موضوعة بين قوسين تقول: "كيف أصفها تلك الأشياء التي تموت فينا لتفسرنا" والحقيقة أنا لا أعرف من صاحب هذه الجملة، فلو كانت الكاتبة هي صاحبتها فلماذا وضعتها بين قوسين؟ وإن كان لها صاحب آخر فلماذا لم يوضع اسمه تحتها؟ وهذا الأمر يتكرر مرة ثانية في بداية القسم الثاني عندما تثبت الكاتبة جملة تقول: "من أي نور أنت أيها الورد من أي موت" عموماً ليس المكان مكان مناقشة "موضة" الافتتاحيات المجهولة. 

- أولى قصص المجموعة تحمل عنوان "أشياء يومية" وفيها نرى زوجة تقدم شرائح الخيار لزوجها المخمور الذي يعزف على الكمان وبين الزوجين هناك طفلة تلجأ إلي حضن أمها مرة ويحادثها أبوها "السكران" مرة أخرى وحديث الأب يدور حول ضرورة عودته مع ابنته إلي بلده وتنتهي القصة عندما لا يكون هناك "سوى كأس واحدة كان يشربها على مهل". قلت لكم إن هناك زوجًا وزوجة وللحقيقة أؤكد أن تحديد العلاقة بين الرجل والمرأة عمل أقوم به على مسئوليتي الشخصية!! وذلك لأن القصة غائمة وملتبسة لأن الكاتبة تظن أن تحديد أو حتى الإشارة إلى ملامح أبطالها "الزمان والمكان والفضاء" أمور تخص الأمن القومي لا يجوز الخوض فيها!! 

- وبعد هذه المرأة التي كانت مع الرجل السكران نجد امرأة تلبس قميص نوم أزرق "قصة المطر" وتجلس مع رجل كان "جسده المتناسق بعطره الفاخر يضفي على الغرفة بهجة عابرة" ونعرف أن الرجل جاء يبغي "المتعة" وبعد أن شرب قهوته تبادل مع المرأة حديثًا حول قميص نومها وهل اشترته من مصر أم من الخارج؟!! وتقطع المرأة حديث القميص بأن تدخل إلي إحدى الغرف لإسكات بكاء طفلها وعلى هذا يترك "الزبون" كومة من النقود على المنضدة ثم ينصرف!! بالله عليكم إن لم يكن هذا هو العبث بعينه فماذا يكون؟! 

مرة أخرى – لن تكون الأخيرة – نحن لا نعرف شيئاً عن الرجل أو المرأة لا أسماء لا ملامح لا زمان لا مكان فقط هي امرأة وهو رجل!! وبعد امرأة القميص الأزرق هناك امرأة "قصة مكان" يقف رجل خلف نافذتها الواطنة وهذا الرجل له رائحة "تشبه رائحة الطلاء" وللمرأة أم عجوز تراقب انفعالات ابنتها وتحس بها وهي خارجة لتستدعى "رجل النافذة" ولاحظ أن التي تراقب كفيفة البصر!! تنفرج شفتاها عن ابتسامة شاحبة وتنصت بحذر إلى شىء ما يحدث هناك فى الغرفة الأخرى!! 

ولكي أتأكد أن الأم هي الكفيفة لا البطلة قرأت القصة مرتين لأن الضمائر والأفعال يسودها نوع من الارتباك يذكرك على الفور بلعثمة الأطفال ومرة أخرى نحن أمام نماذج لا ندرى عنها شيئاً فلغة الكاتبة مرتبكة ومعتمة ويكفي أن نشير إلى أولى جمل القصة "كلما أتى الليل تحس روحها ذلك الخفوت وخدر ينتشر فيه" هل فهمنا شيئاً؟ 

- أما القصة التي تحمل المجموعة عنوانها "هي وخادمتها" فتحكي عن السيدة "رجاء"- الحمد لله عرفنا اسم إحدى البطلات وهذا لن يتكرر ثانية – وهي تضع الحناء على شعرها وخادمتها تحاول مساعدتها ولكن السيدة ترفض المساعدة وتواصل وضع الحناء ثم تتذكر فجأة زوجها الذي مات من عامين وكان قبل وفاته على علاقة بالخادمة وتتذكر السيدة "رجاء" أنها هي التي كانت تدفع زوجها وخادمتها لمواصلة هذه العلاقة!! 

وبعد نوبة الذكريات هذه تحمل السيدة الحمام مع خادمتها لكي تنزلا إلى "البانيو" معاً وساعتها تكتشف السيدة أن "وجه خادمتها النضر يخفي جسدًا عجوزًا". 

هل اكتشاف أن جسد الخادمة عجوز يستحق كتابة قصة؟ نعم يستحق بشرط ألا تكون هناء عطية هي كاتبتها لأنك ساعتها ستقرأ – مثلاً – عن سيدة وحيدة تقتلها الغيرة أو كنا سنقرأ عن امرأة تتأمل حياتها بصراحة وهدوء أو كنا سنقرأ عن خادمة تتذكر رجلاً كانت تشارك زوجته فيه. ولكن كل هذه المعالجات وغيرها لا تستطيعها هناء لأنها من ذلك النوع من الناس الذين إذا سألت أحدهم عن قصة سيدنا يوسف وجدته يجيبك قائلاً: "أبداً دا كان عيل تايه من أهله وبعدين لقيوه" بمثل هذا التسطيح والاختزال المخل وضبابية الرؤية وتشتت الأفكار تكتب هناء عطية وهذه العيوب التي يكفي عيب منها لقتل كاتب نراها مجتمعة في قصة "الأشجار" التي تحكي عن ثلاث أخوات كن بصحبة أزواجهن في زيارة ما وبدون سبب يتركن السيارة.. تقول الصغرى موجهة كلماتها لأختيها "نحن الثلاث ازددنا بدانة بما يكفي وأزواجنا الآن يتفرسون في مؤاخرتنا وهم جالسون داخل العربة" وبعد تفرس الأزواج لا تجد شيئًا اللهم إلا كلام الصغرى للكبرى "سكر.. عفريت أزرق.. لا فارقة معاه" وبعد هذه "الفضيحة الفراشية" نجد ثرثرة نساء حول الظلام والأشجار ووصف روائح عطور الكبرى والوسطى "هو فيه إيه" وبذلك تنتهي القصة!! 

وباقي قصص المجموعة تسير علي هذه الوتيرة، فدائمًا هناك امرأة مجهولة الاسم والملامح والمكان والزمان ودائمًا هناك حوار بالعامية التي تشبه "تخاريف" المحموم ودائمًا هناك ضباب يصنعه عجز الكاتبة التى لا تملك تجربة تحكي عنها بل هي لا تملك لغة "تزوق" بها بضاعتها التي جاءت بها ليالي الأرق فما أحسبها إلا أنها من ذلك النوع الذي إن هاجمه الأرق قام إلى الورق وأفرغ فيه – كيفما اتفق – تشنجاته. ولعلك توافقني أن المسافة بين قتل أوقات الفراغ والكتابة الأدبية كبيرة جدًا. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 22 أكتوبر 1997 

الأربعاء، 1 أكتوبر، 1997

متى يقرأ الجالسون في الحانات حتى يكتبوا قصائد جيدة؟





نعتبر ناقدنا سيد خميس أحد الأدباء الذين نحمل كتاباتهم شارة علي صدر صفحاتنا، ولذلك كانت دهشتنا من غضبة سيد خميس من مقال لجمال فهمي كتبه عن أحد الأماكن التي يتمترس بها "حزب إسرائيل" وكان الأجدر بمكانة أستاذنا سيد خميس أن يغضب من سلوك هؤلاء المتفرغين لمساندة العدو الصهيوني نهارًا ونهش أعراض الشرفاء ليلاً. 

والأمر كما نراه أخطر من تهجم رخيص يقوده "حزب إسرائيل" ضد كل من يحاربها ونظرة واحدة علي ما يدور داخل هذه الأماكن المسماة زورًا وبهتانًا بـ "مقاهي المثقفين" تجعلنا نسأل ونستريب ونشكك ونغضب ومن ثم نفضح. 

ولكننا أبداً لن نتورط فى الدخول إلي نفق "التعميم" فنحن نؤمن بأن هناك شرفاء يرتادون هذه الأماكن، ولأنهم شرفاء فإننا ندعوهم إلى الخروج إلى رحابة الضوء التماساً للمسك بدلاً من مجاورة "الحدادين". 

إننا نستطيع تحديد أسمائهم ولكن ليس هذا ما نبغيه لأن ما نسعى إليه هو تتبع خطوات هؤلاء والنظر فيها، هل هي مما ينفع الناس ويمكث في الأرض أم هي مثل كل زبد سيذهب جفاء؟ سنطرح السؤال ونقدم الإجابة ونرحب بأي اختلاف بشرط أن يكون عفيفًا لا مهووسًا بالخوض في أعراض النساء. 

والآن نسأل: لماذا تحولت الأماكن التي يجتمع فيها المثقفون من أماكن صانعة للثقافة إلى أماكن صانعة للنميمة بكافة أشكالها؟ 

‍لقد كان المقهى مكانًا مصريًا يجذب المفكرين ليقولوا للناس بأسلوب بسيط ما يقولونه في كتبهم، فمن فاته قراءة كتاب ما يستطيع معرفة مضمونه من الاستماع إلى مؤلفه وهكذا جعل الرواد من المقهى جامعة شعبية. وما أكثر الذين دربتهم هذه الجلسات على المناقشة ثم علي الكتابة.

 أما الآن وفى حالة التردى التي تسيطر علي معظم جوانب حياتنا، فقد أصبحت أكثر جلسات المثقفين مخصصة لصناعة مؤامرات رخيصة تعرقل وتهدم ولا تقدم عملاً يقود الناس الذين يتشدق مثقفو المقاهي بأنهم يدافعون عنهم بشكل يذكرنا بقصيدة أحمد فؤاد نجم عن المثقف: "مزفلط محلفظ كتير الكلام عديم الممارسة عدو الزحام بكام كلمة قاضية وكان اصطلاح يفبرك حلول المسائل قوام" ولكي "ينقرض" هذا النوع فلابد للمثقفين الحقييين أن يقودوا حملة لتطهير صفوفهم من هؤلاء الدخلاء الذين لا تعرف متى يقرأون ولا متى يكتبون ولا حتى متى ينامون ثم تجدهم منتشرين على صفحات الجرائد والمجلات بوصفهم شعراء وأدباء وهذا هو العجب وإلا فلا. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 1 أكتوبر 1997