الأربعاء، 25 يناير، 1995

رؤوف مسعد



"والمشي على صراط الاعتراف الأليم"


الإسم: رؤوف مسعد

محل الميلاد: أسيوط

المهنة: كاتب

الملامح: انظر الصورة

التهمة: نهاري في مجتمع ليلي

عندما وضعته أمه الصعيدية كانت ومن حيث لا تقصد تهبه للحياة بأراضيها الشاسعة يتغرب فيها عمره و"زنقة" زنازينها يجد فيها الخيط الحريري الفاصل بين "خيال" النظرية و"واقع" التطبيق وأحضان نسائها ليركل الجسد نفايات "الصح والغلط" ويعلن حضوره المجنون، كانت تهبه للحياة بتجاربها الحقيقية الحارقة، الأم ولود والأرض قاسية تبلع ما يدفع رحمها وعليه فقد " ندرت " أول أولادها – إذا عاش – لخدمة الرب، فلما جاء الأول وعاش "اشتاقت" روحها أن يصبح طبيباً، ولا مانع أن يصبح الرابع الذي هو رؤوف مكان الأول مهدئة وخزات إيمانها بأن الرب هو الذي يختار خدامه!!!

 دخل الولد الكنيسة بصحبة والده القسيس البروتستانتي ابن القسيس البروتستانتي لتتشرب روحه أطياف صور مريم العذراء وابنها المقدس وتنمو تحت جلده الترانيم ولا تبرحه أبداً روائح البخور، ولأن الرب كما قالت الأم يختار خدامه فقد استغنى مبكراً خدمة الولد لقد انضجته شمس السودان ليلتفت بكليته نحو جده ربما بارك الأب من "طرف خفي" حياة ابنه الجديدة بعيداً عن "ملاحقة" الصلوات له، والأم مثل كل أمهاتنا "يتواطئن" فرحات برجولة أولادهن ولا مكان في السودان للدراسة الثانوية فيتوجه الولد إلى أسيوط للحصول على الشهادة ولكنه يفشل في الحصول عليها لأنه يبعثر لياليه ونهاراته على أسفلت الطرقات "غداً يظهر الغيب واليوم لي" وسريعاً يأتي الغد حاملاً معه مرض الأب وانتقال الأسرة من السودان إلى القاهرة و "بشاير " مباديء الماركسية، كانت أول تجربة حارقة يصرخ الولد منها هي معاملة مؤسسة الكنيسة لوالده..

 فبعد مرضه ومكوثه بالبيت قررت له معاشاً شهرياً لا يتجاوز الخمسة جنيهات !! يحصل على شهادة الثانوية من "منازلهم" ويقرر ضد رغبة الأم – دخول كلية الآداب – قسم صحافة- يموت الأب، يحصل أن تبتلعه مياه المد الماركسي .. طوال الليل يملاء الجدران بملصق لا يتغير"اعترفوا بجمهورية الصين الشعبية" يلقي القبض عليه في ظلام غربة التراحيل تجتهده عيناه في قراءة ما على "الكلابشات" من كلام يقرأ جملة واحدة تقول "صنع في الصين" يضحك ، هي خبرة آخرى حارقة في المعتقل مع ورود الستينات، صنع الله إبراهيم، الفريد فرج، فؤاد حداد، حسن فؤاد، وغيرهم، يكتشف أن الجسد هو ذلك الشىء العلني السري الساحر الغامض الذي يملكه المعتقل بعد أن تسلبه إدارة المعتقل عقله، أمانيه، أشواقه، ماضيه وحاضره وربما مستقبله، خبرة ثالثة حارقة الرفاق الأغنياء أغنياء حتى في المعتقل أما الفقراء فلهم ذكريات الماضي وأجسادهم يهربونها من قبضة الجلادين يخرج من المعتقل تسلمه الشوارع القاسية إلى قهر الغرف "المبقعة" يراجع ما مضى ليرى صورة ما هو آت . بصحبة صنع الله إبراهيم وكمال القلش يسافر إل أسوان ليكتبوا معاً "إنسان السد العالي" هذا الكتاب الوثيقة عن أيام مزهوة بالسيادة وتفجير الجرانيت .


سريعاً تتشح مصر بحزنها لرحيل عبدالناصر، يسافر رؤوف إلى بولندا أول بلد إشتراكي يراه يقرر وداعاً للإندهاش فبعد كلابشات الصين ليس هناك ما يدهش، سياسات السادات قطعت عليه خط الرجعة من بولندا، توجه إلى السويد، هولندا، ويرتاح ببغداد إذ يتزوج من يمامة فتاة صغيرة يعلمها "الحاجات والمحتاجات" ثم تتركه زاعمة أن عالمها غير عالمه، لا بأس من خبرة أخرى تنقش مواجعها على جدران الذاكرة والقلب معاً يدرك أن يمامة قد "عششت" في حضن آخر، فالمرأة لا تترك "رجلها" إلا لرجل موجود بشكل ما في بقعة ما من مساحاتها


من بغداد إلى "بيروت الحرب الأهلية" هناك يجد كل ما يريد العمل في جريدة السفير وفي بيروت يدرك للمرة الأولى أن الموت أمر يطولنا مثل الآخرين، تمتد إقامته في بيروت حتى يخرج مع الفلسطنيين في صيف 1982 يرجع إلى القاهرة وقد "تعتقت" رؤيته فلا وقت لأى رومانسية خائبة، في مطلع 1983 يبدأ في كتابة بيضة النعامة رواية وسيرة حياة ومقال صحفي عن حياة جيل أعطى كل شىء ليفوز بالمواجع تراوغه الكتابة حتى تستغرق عشر سنوات من عمره ولأن حياته مثل بيضة النعامة نادرة وكبيرة فقد صنع ما تصنعه النعامة تضع بيضتها في ناحية آخرى لتشغل مطارديها عن بيضتها ، آخذ رؤوف يجري بين أحياء الزمالك ، أمبابة، المعادي، ثم يسافر إلى الأقصر ويعود إلى طفولته في بورسودان، كل هذه الأسفار ليتم كتابة ما تسمح به أخلاقيات المجتمع الإزدواجية – ولعل اكبر الأدلة على إزدواجية المجتمع أن كل الناشرين المصريين رفضوا نشر الرواية في الوقت الذي حازت فيه من من المثقفين على لقب أحسن رواية لعام 1994 ويكفي أن استفتاء جريدتنا والذي شارك فيه خمسون مبدعاً أعطوا جميعاً أصواتهم لصالحها.

وبعد..

لايزال السؤال قائماً إلى متى وإلى أين تهرب النعامة من المطاردة ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الأحرار: 25 يناير 1995